النويري
28
نهاية الأرب في فنون الأدب
وتدبّر معانيه حتى لا يزال مصوّرا في فكره ، دائرا على لسانه ، ممثّلا في قلبه ، ذاكرا له في كل ما يرد عليه من الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها ، ويفتقر إلى إقامة الأدلَّة القاطعة به عليها ؛ وكفى بذلك معينا له في قصده ، ومغنيا له عن غيره ، قال اللَّه تعالى : * ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) * ؛ وقد أخرج من الكتاب العزيز شواهد لكل ما يدور بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم مع قصور كل لفظ ومعنى عنه ، وعجز الإنس والجنّ عن الاتيان بسورة من مثله ؛ ومن ذلك أن سائلا قال لبعض العلماء : أين تجد في كتاب اللَّه تعالى قولهم : الجار قبل الدار ؟ قال : في قوله تعالى : * ( وضَرَبَ الله مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ) * فطلبت الجار قبل الدار ، ونظائر ذلك كثيرة . وأين قول العرب : « القتل أنفى للقتل » لمن أراد الاستشهاد في هذا المعنى من قوله عزّ وجلّ : * ( ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) * . وأكثر الناس على جواز الاستشهاد بذلك ما لم يحوّل عن لفظه ، ولم يغيّر معناه . فمن ذلك ما روى في عهد أبى بكر رضى اللَّه عنه : هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم آخر عهده بالدنيا ، وأوّل عهده بالآخرة ، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطَّاب ، فإن برّ وعدل فذلك ظنّى به ، وان جار وبدّل فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت بكم ، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم * ( وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) * . وروى أن عليا رضى اللَّه عنه قال للمغيرة بن شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية : * ( وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) * .